أبي الفرج الأصفهاني

461

الأغاني

مررت في بعض الطريق فسمعت صوتا أعجبني حسنه وجودة شعره ؛ فوقفت حتى استقصيت خبره ، فإذا هو الغريض ، وإذا هو يغنّي بأحسن صوت وأشجاه : ألا هاج التذكَّر لي سقاما ونكس الداء والوجع الغراما [ 1 ] سلامة إنها [ 2 ] همّي ودائي وشرّ الداء ما بطن العظاما فقلت له ودمع العين يجري على الخدّين أربعة سجاما [ 3 ] عليك لها السلام فمن لصبّ يبيت الليل يهذي مستهاما قال يزيد : ويلك يا أحوص ! أنا ذاك في هوى خليلتي ؛ وما كنت أحسب مثل هذا يتّفق ، وإنّ ذاك لمما يزيد لها في قلبي . فلما صنعت يا أحوص حين / سمعت ذاك ؟ قال : سمعت ما لم أسمع يا أمير المؤمنين أحسن منه ، فما صبرت حتى أخرجت الغريض معي وأخفيت أمره ، وعلمت أنّ أمير المؤمنين يسألني عما رأيت في طريقي . فقال له يزيد : ائتني بالغريض ليلا وأخف أمره . فرجع الأحوص إلى منزله وبعث إلى سلَّامة بالخبر . فقالت للرسول : قل له جزيت خيرا ، قد انتهى إليّ كلّ ما قلت ، وقد تلطَّفت وأحسنت . فلمّا وارى الليل أهله بعث إلى الأحوص أن عجّل المجيء إليّ مع ضيفك . فجاء الأحوص مع الغريض فدخلا عليه . فقال غنّني الصوت الذي أخبرني الأحوص أنه سمعه منك - وكان الأحوص قد أخبر الغريض الخبر ؛ / وإنما ذلك شعر قاله الأحوص يريد يحرّكه به على سلَّامة ويحتال للغريض في الدخول عليه - فقال : غنّني الصوت الذي أخبرني الأحوص . فلما غنّاه الغريض دمعت عين يزيد ثم قال : ويحك ! . هل يمكن أن تصير إلى مجلسي ؟ قيل له : هي صالحة . فأرسل إليها فأقبلت . فقيل ليزيد : قد جاءت ؛ فضرب لها حجاب فجلست ، وأعاد عليه [ 4 ] الغريض الصوت ؛ فقالت : أحسن واللَّه يا أمير المؤمنين ، فاسمعه منّي ؛ فأخذت العود فضربته وغنّت الصوت ، فكاد يزيد أن يطير فرحا وسرورا ، وقال : يا أحوص ، إنّك لمبارك ! يا غريض غنّني في ليلتي هذا الصوت ؛ فلم يزل يغنّيه حتى قام يزيد وأمر لهما بمال ، وقال : لا يصبح الغريض في شيء من دمشق . فارتحل الغريض من ليلته ، وأقام الأحوص بعده أيّاما ثم لحق به ؛ وبعثت سلَّامة إليهما بكسوة ولطف كثير . رثت يزيد وناحت عليه حين مات : أخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني رجل من أهلي من بني نوفل قال : قدمت في جماعة من قريش على يزيد بن عبد الملك ، فألفيناه في علَّته التي مات فيها بعد وفاة حبابة ، فنزلنا منزلا لاصقا بقصر يزيد ، فكنّا إذا أصبحنا بعثنا بمولى لنا يأتينا بخبره ، وربما أتينا الباب فسألنا ، فكان يثقل في كلّ يوم . فإنّا لفي منزلنا ليلة إذ سمعنا همسا من بكاء ثم يزيد ذلك ، ثم سمعنا صوت سلَّامة القسّ وهي رافعة صوتها تنوح وتقول :

--> [ 1 ] الغرام : الملازم الشديد . [ 2 ] كذا في أ ، م . وفي سائر الأصول : « إنما همي . . . » . [ 3 ] أربعة سجام : يريد بها اللحاظين والموقين للعينين ، فإن الدمع يجري من الموقين ، فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظين أيضا . [ 4 ] كذا في ج . وفي سائر الأصول : « عليها » .